ابداع القصة وقصة الإبدع عند "معمر القذافي"
قصة "انتحار رائد الفضاء" نموذجاً
حنان يوسف الهوني
لا غروَ أنْ يدَّعي[1] الليبيُّ أنَّ لهُ
ما للعروبةِ من مجدٍ ومن حَسَبِ
لديه من لغةِ القرآن معجزةٌ
تلوحُ كالدَّرِ والياقوت والذهبِ
وطالبُ المجدِ لم ينجحْ له طلبٌ
إلاَّ على الصَّدقِِ والإخلاصِ في الطَّلبِ
وقوةُ الصدقِ في أعملِنا سببٌ
للنصرِ ،والشيءُ يقوى قوةَ السببِ[2]
إنَّ وسْمَ الإنسانِ بالمبدعِِ إنَّما يأتي من ابتكارهِ شيئاً جديداً لم يكنْ موجوداً من قبل ،أو تقديمهِ لمشروعٍ ابداعي قام بإضافةِ الجديدِ لهُ ، و"القذافي" يُدشنُ لأسلوبٍ جديدٍ في القصِّ لم أجدْهُ عند سواه ، فحُقَ لنا أنْ نُطلقَ عليه لقبَ المبدع ، وهذه لعمري وظيفة الأدب الناصعة ، فمنذُ الأزلِ والمبدعون يُسنونَ لأبداعاتهم الطرائق ،ويخلِقون لها الأساليبَ الفنيةَ التي تُساعدُهم على تقديمِ نفائسهم في قوالبَ تُجلُّ من قدرِها ، وتُعلي من شاءنها في نظرِ مُريديها ،ولم يُنكرْ عليهم النقادُ ذلك ، لأنَّ العرضَ الجيدَ قد يُنافسُ في قيمتهِ الفنيةِ الموضوعَ ذاته ، ولذا وجِدتْ هذه الفُروقات البينية الواضحة القائمة بين أديبٍ وآخر ، عِندَ تناولهم لذاتِ الموضوع ،وتلك هي "الأدبيةُ" التي يتسابقُ الكتاب للضفرِ بها ، فيشْحذُون ذائقتهم وأدواتهم لاصطيادها ،فلنْ تأتيهم على طبقٍ من فضةٍ كما يتخيلُ البعضُ ، لأنَّ طريقَ الإبداعِ محفوفٌ بالمشاق .
يُؤرِضُ "القذافي" لنوعٍ جديدٍ من القصِّ ، سيأتي الزمانُ الذي يشْتدُ فيه عودُهُ ،وتُورقُ أغصانُهُ ،وتُورفُ ظلالُهُ في جنائن عالمِ القصة الواسع ، ومِنْ سُنَنِ هذا الإبداع ؛ابتكارِهِ لـ"المقدمة" التي مهَّدت للدخولِ في متنِ القصةِ ؛ بعرضٍ شيقٍ جذاب، مفتوحةٌ على أعتابِ القصةِ وأحداثها ،ثم يقودُنا بمهارةٍ إلى المتن ،وبعد العرضِ يزفُ الخاتمةَ ، التي تأتي على المُدهشِ المُفارق ، وقد يقولُ قائل :أنَّ هذا أسلوبٌ كلاسيكيٌ ؛ تتسلسل فيه أحداثُ القصة على نمطٍ روتيني يدفعُ إلى التَّكهنِ بالنهاية ، فينتفي حينئذٍ عنصر المباغتةِ والدهشةِ ،فنقول :أنَّ مراوغةَ المتلقي والزَّج به في لعبةِ القراءةِ ليستْ بالأمرِ السهلِ ، بل أنَّ الأصعبَ من كلِّ ذلك شدَّهُ بلهفةٍ إلى الخواتيم ، وهذا ما حصلَ تماماً في نصِ "القذافي" ، وأقصدُ القصةَ هُنا على وجه التحديد.
كما أنَّ من سمات أسلوبه شدَّةَ الاهتمام بالموضوع وتفاصيله ، وهذا ما جعلَهُ يُهملُ ملامحَ الشخصيات التي أدَّتْ الدورَ الذي أُريدَ لها فقط ، دُونَ الإلتفات إلى اعطائها الأسماء والصفات الشخصية ، في معظم القصص تقريباً، و سيطرةُ الموضوع بهذه الصورةِ على ذهنِ كاتبه ، إِنَّما تقودُنا إلى الإشارةِ إلى أنَّ "القذافي" ليس بالكاتب العادي ، فهو صاحب نظرية سياسية واقتصادية واجتماعية ، تجعله ولا شك منشغلاً بها ، و بأهدافه الإنسانية السامية التي تدعو لذات الأهداف التي ينْشغلُ بها أديباً و قاصاً ، وينسحب كلامي أيضاً على البيئةِ (الزمكانية) ،فهو لا يلتفتُ إليها إلاَّ بمقدارِ الحاجةِ فقط ، فمحتوى الموضوع يَفرِضُ – في كثيرٍ من الأحيان - التَّخلي عن التَّرهُلات الزائدةِ في القصة حتىَّ ولو كانت بعضَ أركان القص .
إن اختياري لقصةِ "انتحار رائد الفضاء"[3] لكتابة هذه الورقة لم يأتِ خبطَ عشواء ،بلْ كان بدافع انجذابي لها مُتلقيةً وناقدةً ، فإلى جانب ما في القصة من قيمٍ إنسانيةٍ تُحرضُ الذوقَ ،وتُحفزُ الوجدانَ على الانتصار لها ، فإنَّ بها مقومات القصة المتكاملة ،لاحتوائها على البيئة (الزمكانية) والأحداث والعقدة والشخوص .
وعنوان القصة – كما نلاحظ – يَشِي بالنهايةِ ويَدلُّ عليها ،ولكنْ يبقى المتلقي مع ذلك في ترقبٍ لمعرفةِ شكل تلك النهاية ، وأظنُّ أنَّ اختيار الكاتب للفظ "انتحار" ، ووضعه في أول العنوان لم يكنْ عبثاً ، فهذه الكلمةُ الصادمةُ تُوحي بقسوةِ النهايةِ و بشاعتها ، و تحْملُ المتلقي على الدخول في جوِّ القصة البائس مُنْذُ البداية ، وكما جرتْ العادةُ فإنَّ اختيار اسم النص يتمُّ بعد انجازه ، وقد يُقتطفُ من بُنيةِ النص ،- وهذا هو الغالب- ، وقد يُستدعى من خارجه ليدلَّ عليه ، و في قصة "انتحار رائد الفضاء" ،قُدَّ العنوانُ من أخر سطرٍ في بنيةِ النص ،مع تغييرٍٍ "طفيفٍ" في بنية لفظة (انتحار) كالتالي :
انْتَحَرَ
انْتِحَار
ولاشكَّ بأنَّ ايقاعَ المعنى تغيَّرَ دِلالياً، مع هذا التغيير"الطفيف" ،فصيغةُ المصدر افرغت الحدثَ من زمنِ وقوعه ، بينما كَمُنَ الزمنُ في الحدثِ مع صيغةِ الفعلِ ، وهذا ما جعلَ الفعلَ طازجاً في متن النص ، ولم يتوفَّرْ ذلك في صيغة العنوان لأنَّهُ انتقلَ إلى بؤرةٍ دلاليةٍ مختلفةٍ تماماً ، أُرِيدَ منها إضاءةَ النَّصِ بكامله ، فتحوَّلتْ من مُجرَّدِ كونِها حدثاً داخل النص ، إلى اسماً دالاً على عموم النص .
أما المقدمة ففيها عرضٌ سريعٌ مكثفٌ لافلاس "الدول الكبرى" فكرياً عندما عجزتْ عن اثبات جدوى غزوها للفضاء ، بعد أنْ قدَّمتْ الميزانياتَ الباهضةَ ، وبعد أنْ واجهت الواقع الذي يقول لسان حاله :"أنَّ الأرضَ ..مصدرُ الحياة ..وأنَّ الحياةَ ماءٌ وغذاءٌ ، وأنَّ المكانَ الوحيدَ الذي يمدنا بذلك هو الأرض لا غير"، ويَتَخلَّصُ الكاتبُ - من بعدها – تخلصاً ذكياً في انتقاله من المقدمة إلى متن القصة ، بتحويل اسم البطل من "الإنسان" إلى "رائد الفضاء" ،بلقطةٍ سينمائيةٍ رائعةٍ ، يقول :" عادَ الإنسانُ من طوافه الخارجي إلى سطحِ الأرض ،وخلعَ رائدُ الفضاء ملابس المركبة الفضائية " ، وهنا تحديداُ يبدأُ القصُّ ،بفعلي "الخلع " و"الإرتداء" ، وهما لفظتان معبرتان سميائياُ عن الحدث ، ثم يعرضُ بعدها أحداثَ القصة ، وذلك بإلتقاءِ رائد الفضاء مع الفلاح ، بعد أنْ يئسَ من الظفرِ بعملٍ له في المدينة ، وبعد أنْ تخلتْ عنهُ مؤسسةُ الفضاء ، التي كان يعمل بها ، لتنتهي به حالهُ على أعتابِ أرضِ فلاحٍ بسيطٍ يزرعُ الأرضَ ، ويقتاتُ منها ، فيسألهُ الأخير "هل تجذِبُك الأرضُ إليها يا بُني ؟"، وهنا تحدثُ المفارقةُ ، وتشْتبكُ خيوطُ القصة لتصنعَ العقدةَ ، فالفلاحُ يسألُ عن فعلِ الإنجذابِ بدافعِ الحُبِّ للأرضِِ واهتمامهِ بفلاحتِها ،ويفهمُ رائدُ الفضاء خلافَ ذلك ،لأنَّ ثقافتهُما مختلفة ، فيُجيبه عن معنى فعل الانجذاب علمياً بالنسبةِ للأرضِ ، وفي الحوار يختفي الطرف الثاني – أي الفلاح - شيئاً فشيئاً ، ويصاب بالنعاس ، ويُفيقُ فجأةً عند سماعهِ لكلمةِ الأرض ،ويكتشفُ بأنَّه لم يسْتفدْ من كلِّ ما قاله لهُ رائدُ الفضاء، فما يهمه هو :"المسافة بين كلِّ شجرةٍ وشجرةٍ ، وليس بين الأرضِ والمشتري ! ويهمه حجم انتاج مزرعته ..وليس حجم عطارد !!" ، وكان فعلُ المنِّ والتَّصدقِ عليه كمتسولٍ مسكينٍ ،والانصرافِ عنه كافياً ليُقيلَ نفسَهُ من الحياةِ ، ويُقدمُها قُرباناً لبطولات حرب الفضاء الخرقاء ، التي كرَّستهُ إنساناً بائساً فاشلاً عن العيشِ فوق الأرض ،و تحت السماء .
لغةُ القصِّ بسيطةٌ شفافةٌ حدَّ الواقعيةِ ، تأتي على الشاعري أحياناً ، تلتقطُ تفاصيلَ الواقع وتُحاكيهُ ، وتَضَعُ الخيالَ والفنتازيا جانباً ، ربما يعودُ ذلك لأنشغال الكاتب بهمومِ الإنسان اليومية ، واشتغالهِ على نسجِ القصة من مفردات الواقع وتفاصيله الحياتية ، التي تُلامسُ معاناته الحقيقية ، وبالتالي يعكسُها أدباً يحاول تقديمَ الحلول الناجعة ، في قالبٍ قصصي .
وأخيراً أقول :لا شكَّ بأنَّ شجرةَ الأدباءِ تَحْفَلُ بـ"معمر القذافي" مُبدعاً قدَّمَ الجديد ، ونتمنَّى عليه مواصلة درب الكتابة ، ففي كلِّ كتابةٍ إبداع .










أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية