في نصّها الموسوم بـ " أنامل" تشتغل " حنان الهوني" على جنس وليد، لم تشتدّ قامته بعد، فهو يشكو من ارتباك مفاهيميّ، إنْ على مستوى الممارسة من قبل القاصّين، أو على صعيد التقعيد له من قبل النقاد، وهو - إلى ذلك - جنس مُراوغ وصعب، على عكس ما قد يُحيل إليه ظاهره من سهولة، بسبب من حجمه ربّما!
وبتفكيك العنوان، يُحيلنا إفراده إلى عدد غير محدود من الاحتمالات، لأنّ المُفردة في إفرادها حالة كمون، لم تُدرَج في سياق بعد، لتكتسي معنى مُحدّداً تختصّ به!
بهذا المعنى قد نذهب إلى لغة الأنامل في حالة الحبّ، وقد نذهب إلى النقيض لنرى فيها أداة قتل، وهي تلتف حول رقبة! لقد نجحت القاصة في اجتراح عنوان مُثير للأسئلة، أي عنوان مُحرض، ذلك أنّ المسافة بين أنامل الحبّ وأنامل القتل مُتباعدة، وتمرّ بعدد كبير من المحطات، ولذلك فإنّ قراءة المتن وحدها ستجلو المراد، وهذا هو ما يهدف إليه العنوان! أن نقرأ النصّ!
لكنّ النثر يفترق عن الشعر بأنّ لغته هي لغة تحليل تنضوي على حدث، فيما تقوم لغة الشعر على الصورة، وعليه هل يُمكن الجزم بأنّ ما جاء في المتن يكفي لتشكيل حدث مركزيّ، يفصلها عن قصيدة النثر من جهة، وعن الخاطرة من جهة أخرى!
قد لا نكون بصدد إنكار الذكاء الشديد في التقاط التضاد بين قدم مُحتذية تسحق حشرة، وأنامل تُوقع على ملف، فإذا بها تودي بإنسان! وقد لا نكون بصدد إنكار ظلال الفكرة التي أوحت بها الكلمات من غير أن يُصرّح بها النصّ، فهي تأتي على آفة عالمثالثيّة تقوّض فكرة الحقّ، فلا حقّ مع هيمنة الروتين على مفاصل العمل الرسمي بمُختلف تجلياته، ولكن هل يكفي التضاد للاشتغال على حدث، أي لبناء قصّة!؟ هو يكفي لتشكيل لحظة المُفارقة التي يُبنى عليها العمل الفنيّ قطعاً، فهل تُشكّل لحظة المُفارقة كامل عمليّة القصّ!؟
إنّه سؤال ربّما يكون الأوان قد أزف ليُجيب عليه النقاد الذين يُقعّدون لهذا الجنس! وإلى أن يتحقّق الأمر، ربّما أمكننا الإشارة إلى أنّ القاصّة اتكأت على اقتصاد لغويّ مُذهل، مطلوب في مثل هذا النوع من القصّ، لهذا نجد أنّها ابتدأت بالفعل " وقّع"، الذي يُدخلنا إلى المتن مُباشرة، وبلا أيّ مُماطلة أو تسويف، مخافة الترهّل، وعليه فلقد تحصّل هذا المتن على تكثيف وتبئير شديدين، أي أنّ القاصّة نجحت في إيصال أكبر كميّة من المعاني بأقل ما يُمكن من عبارات، ما يُتاخم بين نصّها والشعر، لكن مع البقاء في خانة النثر!
أمّا لغة القصّ، فهي على قصر النصّ تأتي على الشاعريّ، وقد يعود بعضه إلى شاعريّة اللقطة ذاتها، وفي الخواتيم استطاعت القاصّة أن تأتي على المُدهش، الذي يتوافر على المُفارق والصادم، ذلك أنّ أحداً لن يدّعي بأنّ المُقدّمات أتاحت له التكهّن بالنهايات، ومع ذلك فإنّ النصّ يفتقد نكهة ما أو رائحة ليُقنعنا تماماً كقراء!
محمد باقي محمد










07 سبتمبر, 2009 07:15 م